في 16 أكتوبر 2025، نشر القائم بأعمال السفارة الصينية بالجزائر السيد تشاو بينغشنغ مقالا بعنوان ((القضاء على الفقر .... وبناء مستقبل اكثر اشراقا معا)) في جريدة الخبر.النص الكامل:

القضاء على الفقر .... وبناء مستقبل اكثر اشراقا معا
الجزائر بلد واسع و غني بالتنوع، كل منطقة لها طابعها المميزو سحرها الخاص.و من بين هذه المناطق تبرز قسنطينة، المدينة التي تأسر القلوب بجمالها الفريد، إذ تقوم على تضاريس شاهقة وتطلّ على وديان عميقة تربطها جسور معلقة، فاستحقت عن جدارة لقب "مدينة الجسور المعلّقة". وتتشابه طبيعتها الجبلية مع منطقة وومنغ الواقعة في جنوب غرب الصين، غير أن هذه الأخيرة كانت تعاني طويلًا من صعوبات اقتصادية ونقص في المياه وعزلة جغرافية جعلتها من أفقر المناطق في الصين، حتى قيل آنذاك إن بعض الأسر كان أربعة أفراد منها يتقاسمون ثلاثة صحون فقط. لكن المشهد اليوم تغيّر كليًا: فقد أصبحت المنطقة خضراء نابضة بالحياة، مزدهرة بالزراعة والصناعة.
إنّ تحوّل منطقة وومنغ يمثّل صورة مصغّرة لمعجزة الصين في القضاء على الفقر. فمنذ إطلاق الحملة الوطنية لمكافحة الفقر عام 2012، كانت البلاد تضمّ أكثر من 128 ألف قرية و832 محافظة يعيش فيها 98.99 مليون شخص تحت خط الفقر.
وبفضل الجهود المتواصلة، تمكّنت الصين بحلول عام 2020 من إخراج كل هؤلاء من دائرة الفقر، أي ما يعادل إنقاذ شخص واحد كل ثلاث ثوانٍ. وفي عام 2024، بلغ متوسط الدخل السنوي للفرد في المناطق التي تخلّصت من الفقر نحو 17,522 يوانًا (2455 دولارًا)، أي ما يعادل 75.8% من متوسط الدخل الريفي الوطني، مع تضييق الفجوة عامًا بعد عام. كما حددت الصين وساعدت أكثر من 6.8 ملايين شخص مهدّدين بالعودة إلى الفقر منذ السنوات الخمس، محافظة بذلك على استقرارٍ تنمويّ يجنّب البلاد ظهور فقرٍ جماعي جديد. بهذا الإنجاز، قضت الصين على الفقر المطلق والفقر الإقليمي الشامل، وحققت هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 قبل الموعد بعشر سنوات، مساهمةً بأكثر من 70% من مجمل الجهود العالمية في هذا المجال.
فما سر هذا نجاح؟
أولًا: القيادة للحزب الشيوعي الصيني وعلى رأسها الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي جعل من القضاء على الفقر أولوية وطنية ومهمة أساسية لتحقيق مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل. فقد أُنشئت منظومة متكاملة تقوم على مبدأ "التكامل الثلاثي"، الذي يجمع بين مكافحة الفقر ومنع العودة إليه وإنعاش الأرياف، ما سمح بمعالجة مستدامة وجذرية للفقر. وخلال ثماني سنوات، استثمرت الصين 1.6 تريليون يوان (220 مليار دولار)، بإشراف مباشر من الأمناء العامين للحزب على مختلف المستويات المركز والمقاطعة والمدينة والحي والمحافظة، في تجسيدٍ واضح لعزم البلاد على تحقيق هذا الهدف.
ثانيًا: تبنّي مبدأ "الريّ الدقيق"، أي تخصيص السياسات وفق احتياجات كل منطقة .فأنشأت الصين سجلات دقيقة لكل الأسر الفقيرة، جعلت من التنمية السبيل الجذري للقضاء على الفقر، وقدّمت دعماً موجّهًا ومبادرات مبتكرة مثل التخفيف من الفقر عبر حماية البيئة، الذي يراعي التداخل الكبير بين المناطق الأشد فقراً والمناطق البيئية الهشة، حيث تمّ توظيف أكثر من 1.1 مليون حارس غابات، ما ساهم في حماية الطبيعة وخلق فرص عمل جديدة. كما اعتمدت سياسة إعادة التوطين من أجل القضاء على الفقر، فنُقل 9.6 ملايين شخص من المناطق ذات الظروف القاسية مثل شيهايقو في منطقة نينغشيا إلى مناطق أكثر ملاءمة للحياة والتنمية.
ثالثًا: روح التضامن والتكافل، التي تتجسّد في المثل الصيني القائل: "يجمع الجميع الحطب لتشتعل النار". فقد حشدت الحكومة مختلف القوى الاجتماعية والمؤسساتية، وشجّعت التعاون بين الشرق المتقدّم والغرب الأقل تطورًا، لتعزيز التنمية المشتركة والمنفعة المتبادلة، وشجعت المناطق التي تخلصت من الفقر أولاً على مساعدة المناطق الفقيرة الأخرى وتقديم الدعم لها ونقل الخبرات إليها. كما أطلقت مبادرات مبتكرة مثل "شهر الاستهلاك من أجل مكافحة الفقر"، حيث يشجَّع المواطنون على شراء منتجات المناطق الفقيرة دعمًا لتنميتها بدلًا من التبرع، ما ساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي والتجارة الإلكترونية الريفية.
رابعًا: البصيرة الثاقبة التي تُترجم مقولة "لا تُعطني سمكة بل علّمني كيف أصطاد".
فالتخلّص من الفقر ليس نهاية الطريق، بل بداية لحياة جديدة. ولهذا، خصّصت الحكومة فترة انتقالية من خمس سنوات لضمان استدامة الإنجازات وتحقيق الارتباط الفعّال بين القضاء على الفقر وإنعاش الريف. فأنشئت منصة للرصد الديناميكي والإنذار المبكر لمخاطر العودة إلى الفقر في جميع المناطق، وطوّرت القرى صناعاتها المحلية الخاصة، محولة العقلية من "اجعلوني أتخلص من الفقر" إلى "أريد أن أتخلص من الفقر". فعلى سبيل المثال، بعد إعادة توطين سكان شيهايقو، قاموا بناء على خصائصهم الذاتية بتطوير صناعات تقليدية مثل تربية المواشي والنسيج وصناعة النبيذ، وتطوير الزراعة الحديثة الموفّرة للمياه اعتمادا على التكنولوجيا، كما أدخلوا صناعات جديدة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسياحة الريفية، لتتحوّل إلى نماذج للاقتصاد الأخضر والتنمية الذكية منخفضة الكربون.
إنّ الفقر عدوّ مشترك للبشرية، ومكافحته مسؤولية جماعية تتنوّع أساليبها حسب خصوصية كل بلد. وفي هذا السياق، حققت الجزائر إنجازات لافتة في الحد من الفقر بطريقتها الخاصة، إذ تولي تحسين معيشة المواطنين أهمية قصوى من خلال نظام متكامل للضمان الاجتماعي يشمل التعليم والصحة والتوظيف والسكن والتقاعد والاستهلاك. كما تطبّق سياسات دعمٍ للمناطق النائية لتحسين البنية التحتية للتعليم والصحة والنقل وإمدادات المياه والكهرباء وخلق فرص عمل للشباب والنساء لتعزيز التنمية المتوازنة اقتصاديا واجتماعيا، ما جعلها وفق تقارير الأمم المتحدة دولة قاربت على القضاء على الفقر متعدّد الأبعاد، وحافظت على مرتبة متقدمة في مؤشر التنمية البشرية بين دول إفريقيا.
إنّ الصين والجزائر دولتان من دول الجنوب العالمي، وداعمتان نشطتان وقوى دافعة قوية للحد من الفقر العالمي. نحن على استعداد لتعزيز التبادل والتعاون مع الجزائر في مجال التخفيف من حدة الفقر، ومساعدة دول الجنوب العالمي الأخرى بنشاط في التغلب على الفقر، وتقديم مساهمات جديدة لتنمية البشرية وتقدمها.
القضاء على الفقر .... وبناء مستقبل أكثر إشراقا معا.pdf