روسيا والصين: 30 عاما من شراكة التنسيق الاستراتيجي الشامل في العصر الجديد بقلم السفيرين: دونغ قوانغلي وأليكسي سولوماتين. المقال منشور في جريدتي الخبر وL'expression

النص الكامل:
في 25 أفريل 1996 تم توقيع الإعلان المشترك بين زعيمي روسيا والصين الذي يُعلن فيه عن إقامة شراكة تنسيق استراتيجي بين البلدين.
وعلى مدى 30 عامًا بلغت العلاقات الروسية الصينية مستوى جديدًا نوعيًا لتصل إلى شراكة التنسيق الإستراتيجي الشامل في العصر الجديد. وقد عززت موسكو وبكين علاقاتهما الثنائية بل وأكثر من ذلك شكلتا أيضًا نموذج تعاون مستدام له تأثير كبير على الأجندة السياسية والاقتصادية العالمية. ووفقًا لرئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين ورئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ فإن العلاقات الثنائية على مستوى عال غير مسبوق. وتشهد علاقاتنا إثراءً مستمرًا بمضامين جديدة. ونحن على يقين بأن روسيا بحاجة إلى الصين وهي مزدهرة وعزيزة والصين بحاجة إلى روسيا وهي قوية وناجحة.
ومن أبرز إنجازات هذه السنوات إرساء أساس سياسي متين للعلاقات الثنائية. فقد أتاحت الاتصالات المنتظمة الرفيعة المستوى والثقة المتبادلة العالية وتطابق المواقف بشأن القضايا السياسية العالمية الرئيسية لبلدينا بناء علاقات تُعتبر بحق نموذجًا للتعاون الدولي في القرن الـ21. وقد صمدت هذه الشراكة ذات الاستقرار الاستراتيجي الكبير أمام اختبار الزمن بما في ذلك فترات عدم الاستقرار العالمي وتحولات النظام الدولي وقاومت أي محاولة خارجية للاستفزاز والضغط.
ومن أهم سمات العلاقات الروسية الصينية الحديثة طبيعتها القائمة على التساوي والاحترام المتبادل. خلافا لعديد من التحالفات الدولية المبنية على التسلسل الهرمي أو هيمنة أحادية يقوم تفاعلنا على مبادئ المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ومراعاة المصالح المشتركة فضلاً عن مبدأ عدم التحالف ضد أي طرف ثالث وعدم المواجهة أو الاستهداف أحدا. وتوفّر هذه المبادئ أساسًا متينًا للتعاون المتناغم.
لقد أحرزنا أيضًا نتائج ملموسة في المجال الاقتصادي. خلال 30 عامًا ارتفع حجم التبادل التجاري الثنائي بأكثر من 30 ضعفًا ليصل إلى رقم قياسي (أكثر من 200 مليار دولار). كما تم تنفيذ مشاريع طاقة ضخمة بما في ذلك إمدادات الغاز الطبيعي والنفط وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود وتعميق التعاون الصناعي. وأصبحت الصين شريكًا من شركاء تجاريين رئيسيين لروسيا بينما أصبحت روسيا موردًا هامًا للموارد وشريكًا تقنيًا للصين. والجدير بالذكر أنه تم تحويل المدفوعات المتبادلة بالكامل تقريبًا إلى العملتين الوطنيتين – الروبل واليوان. ونحن الآن أمام مهمة ضمان تنمية عالية الجودة للعلاقات الاقتصادية الثنائية فتتخذ الهيئات الحكومية والأعمال خطوات فعالة من أجل تحقيقها. ونحن على يقين من أننا سنحقق إنجازات كبيرة من خلال جهودنا المشتركة.
ويُولى اهتمام خاص لتنسيقنا على الساحة الدولية ولا سيما في إطار الأمم المتحدة. فغالبًا ما تتطابق مواقفنا بشأن الأمن الدولي وحل النزاعات الإقليمية أو تتكامل فيما بينها. وندافع باستمرار عن الدور المحوري للأمم المتحدة في نظام الحوكمة العالمية ومبادئ القانون الدولي والمساواة السيادية للدول وندعم المبادئ المتجسدة في المبادرة بشأن الحوكمة العالمية. ونرفض رفضًا قاطعًا تطبيق التدابير القسرية الأحادية الجانب والمظاهر المعاصرة للاستعمار الجديد. ونتعاون بنجاح في المنتديات المتعددة الأطراف مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ ومجموعة العشرين. ويتيح لنا التنسيق داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التصدي بفعالية لنهوج أحادية الجانب والترويج للأفكار من أجل عالم متعدد الأقطاب. ونشجع باستمرار مع شركاء ذوي التفكير المماثل تشكيل نظام عالمي أكثر عدلاً قائم على القانون الدولي بدلاً من "قواعد" تخدم مصالح أنانية لجهة ما.
اليوم قد أدى قصور النهوج الأحادية الجانب في حل الأزمات الإقليمية وتجاهل ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي إلى نتيجة مأساوية للعالم. فيما يتعلق بالوضع في منطقة الخليج والشرق الأوسط فإن روسيا والصين بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تدعوان إلى احترام أولوية ميثاق الأمم المتحدة ووقف العمليات العسكرية فورًا والعودة إلى المسار السياسي والدبلوماسي وضمان أمن الأهداف غير العسكرية والطرق البحرية من أجل تحقيق تخفيف حدة التوترات والاستقرار الإقليمي الدائم والأمن العالمي.
لقد اجتاز النظام الدولي الذي تم إنشاؤه بعد الحرب العالمية الثانية 80 عامًا من التحديات واصلا إلى منعطف حاسم آخر. وفي العام الماضي حضر رئيسا الدولتين احتفالات مشتركة بذكرى نصر شعبينا في الحرب ضد الفاشية. وأصدر الجانبان ثلاثة إعلانات مشتركة هامة بشأن تعميق التنسيق الاستراتيجي الشامل وترسيخ الاستقرار الاستراتيجي العالمي والحفاظ على سيادة القانون الدولي. ووجّهنا معا رسالة واضحة إلى العالم: يجب الدفاع بثبات عن الرؤية الصحيحة لتاريخ الحرب العالمية الثانية والحفاظ على مكاسب النصر ورفض الأحادية والتخويف. وساهمنا قبل 80 عامًا في إرساء نظام ما بعد الحرب. وفي يومنا هذا بعد 80 عامًا سنبذل قصارى جهدنا لبناء عالم متعدد الأقطاب.
كما تقدمنا بشكل ملحوظ في التعاون العلمي والتقني. واكتسبت في السنوات الأخيرة المبادرات المشتركة في مجال الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة. وتعمل روسيا والصين بنشاط على تطوير شراكتهما في التقنيات الرقمية وتبادل البيانات وإنشاء الأنظمة الذكية وتطبيق الذكاء الاصطناعي في الصناعة والنقل والإدارة العامة. وتضع كل من المشاريع البحثية والبرامج التعليمية والمنصات التقنية الروسية الصينية أساسًا لتحقيق نظام بيئي رقمي مستقل وتنافسي.
لا يزال التعاون الإنساني مجالاً هامًا للتفاعل. وتتوسع التبادلات الثقافية والبرامج التعليمية ويتزايد الاهتمام بدراسة لغات وتاريخ بلدينا. ويسهم ذلك في تعزيز التفاهم المتبادل بين شعبينا وإثراء ثقافتينا.
ويصبح تعاوننا مع دول الجنوب العالمي الأخرى بما فيها الجزائر بُعدًا ذا أولوية في التفاعل الاستراتيجي بين روسيا والصين. وتنظر كل من موسكو وبكين إلى الجزائر كشريك رئيسي في شمال أفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط. وتعزّز روسيا تقليديًا تعاونًا مع الجزائر في مجالات الطاقة والصناعة والمجالات العسكرية والتقنية بينما تشارك الصين بنشاط في مشاريع البنية التحتية ومبادرات الاستثمار والتجارة والبناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق" وما إلى ذلك مما يخلق تآزرًا متبادلاً ملهمًا بين التحديث على الطريقة الصينية والجزائر.
وتتشكل إمكانيات لتعزيز التعاون بين الدول الثلاث عند نقطة التقاء مصالحها لا سيما في مجالات الطاقة والخدمات اللوجستية والتقنيات الرقمية والتنمية المستدامة الخضراء. وتصبح الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بمواردها الطبيعية الوفيرة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي حلقة وصل مهمة في تعزيز العلاقات الأوراسية الأفريقية. ويفتح هذا آفاقًا لمشاريع مشتركة مع شركات روسية وصينية مثلاً في تطوير البنية التحتية وتعزيز القدرات في مجال الطاقة وتطبيق حلول تكنولوجية حديثة.
وفي عالم سريع التغير يتطور التعاون البنّاء بين روسيا والصين بشكل مثمر ويتكيف مع التحديات والفرص الجديدة. وفي 16 جويلية المقبل سيحتفل بلدانا بذكرى أخرى وهي الذكرى الـ25 لمعاهدة حسن الجوار والتعاون الودي. ونحن على يقين من أن صداقتنا وشراكتنا القائمتين على الخيار الاستراتيجي لشعبي بلدينا ستستمران في النمو والتوطيد من أجل تحقيق الرفاه والازدهار المشتركين.
أليكسي سولوماتين دونغ قوانغ لي